القرطبي

94

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين فاقبلوا إليه يزفون قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون قوله تعالى : " فراغ إلى آلهتهم " قال السدى : ذهب إليهم . وقال أبو مالك : جاء إليهم عليهم . وقيل : عدل . والمعنى متقارب . فراغ يروغ روغا وروغانا إذا مال . وطريق رائغ أي مائل . وقال الشاعر : ويريك من طرف اللسان حلاوة * ويروغ عنك كما يروغ الثعلب فقال : " ألا تأكلون " فخاطبها كما يخاطب من يعقل ، لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة . وكذا " ما لكم لا تنطقون " قيل : كان بين يدي الأصنام طعام تركوه ليأكلوه إذا رجعوا من العيد ، وإنما تركوه لتصيبه بركة أصنامهم بزعمهم . وقيل : تركوه للسدنة . وقيل : قرب هو إليها طعاما على جهة الاستهزاء ، فقال : " ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون " . " فراغ عليهم ضربا باليمين " خص ا لضرب باليمين لأنها أقوى والضرب بها أشد ، قال الضحاك والربيع بن أنس . وقيل : المراد باليمين اليمين التي حلفها حين قال : " وتالله لأكيدن أصنامكم " [ الأنبياء : 57 ] . وقال الفراء وثعلب : ضربا بالقوة واليمين القوة . وقيل : بالعدل واليمين ها هنا العدل . ومنه قوله تعالى : " ولو تقول علينا بعض الأقاويل . لأخذنا منه باليمين " [ الحاقة : 44 - 45 ] أي بالعدل ، فالعدل لليمين والجور للشمال . ألا ترى أن العدو عن الشمال والمعاصي عن الشمال والطاعة عن اليمين ، ولذلك قال : " إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين " [ الصافات : 28 ] أي من قبل الطاعة . فاليمين هو موضع العدل من المسلم ، والشمال موضع الجور . ألا ترى أنه بايع الله بيمينه يوم الميثاق ، فالبيعة باليمين ، فلذلك يعطى كتابه غدا بيمينه ، لأنه وفى بالبيعة ، ويعطى الناكث للبيعة الهارب برقبته من الله بشماله ، لأن الجور هناك . فقوله : " فراغ عليهم ضربا باليمين " أي بذلك العدل الذي كان بايع الله عليه يوم الميثاق ثم وفى له هاهنا . فجعل تلك الأوثان جذاذا ، أي فتاتا كالجذيذة